مايو 13th, 2008 بواسطة: Eng. Annoos |
بقلم / الحاج كنعان
عند استعادتي للوضع العام في غزة قبل الانقلاب الدموي الذي قادته حماس ضد الشرعية أتذكر بكل مرارة أحداث عصيبة لم أكن أتخيل قبل العودة انها ستحدث على الأرض الطاهرة المقدسة. أتذكر كبائر الأفعال وأستغرب مرورها بدون عقاب أو حتى مراجعة. كلنا عايش مرحلة ما قبل الانقلاب، مرحلة سادت فيها المحسوبية في التعيينات والترقيات وتبديد المال العام
، وانتشار الخاوات، واحتلال مقرات البلديات والمحافظين وفساد المؤسسات المدنية والعسكرية. كلنا عايش تلك الفترة التي تم فيها قتل مسؤولين مدنيين وعسكرين بدم بارد ولا تتحرك الأجهزة الأمنية التي تقع مقاراتها على بعد خطوات، تلك الفترة التي تم فيها قطع أرجل نبيل عمرو في رام الله ولا أحد يتحرك. نتذكر كيف كان دخل معابر غزة قبل الانقلاب يذهب لأشخاص وليس للحكومة، ونتذكر كيف كانت السلع الأساسية كالأسمنت وغيرها من المواد ذات الربح الوفير مقصورة على البعض دون البعض الآخر. عند استذكاري لذلك كله أسأل نفسي لماذا لا يعترف الأخ أبو مازن بأخطائه التي أساءت لغزة وقتلت آمالها في التطور. منذ توليه الحكومة الفلسطينية في عهد أبي عمار رحمه الله جردت بعض قراراته وزارات غزة من صلاحياتها لحساب كادر رام الله، وأتذكر كيف كان وزراء الضفة يمقتون اللحظة التي يتوجب عليهم فيها السفر الى غزة. أتذكر كيف منح الأخ الرئيس أبو مازن غزة مقاولة للأخ محمد دحلان، فكلفه باعداد قائمة فتح لدخول الانتخابات من أشخاص غير مقبولين شعبياً، فجاءت النتيجة بانتصار أبي فادي في الانتخابات وخسارة فتح لها. أتذكر كيف كلف الأخ أبو مازن الأخ دحلان دون غيره بمسؤولية تطوير مناطق المستوطنات وكأنه خبير اقتصادي، بل وكلفة بالمسؤولية عن إبرام اتفاقية معبر رفح بذات الطريقة التي كلف فيها الأخ أبو العلاء بابرام اتفاق باريس الاقتصادي. رأينا الأخ أبو فادي يحتفل بابرام اتفاقية المعبر مع مندوب البنك الدولي ولم نرى مسؤولاً آخر من الضفة أو غزة يقف الى جانبه في الاحتفال، فالدعوة للوجهاء والمواطنين للحضور لم تكن باسم السلطة الوطنية الفلسطينية، وإنما صدرت باسم الأخ أبي فادي ومن مكتبه. لم يؤمن الأخ أبو مازن بالعمل الجماعي فأهان قيادة غزة الأمنية عندما ترك أمر غزة أمنياً ومدنياً للأخ أبي فادي ويحاسبهم الآن في رام الله. لقد ترك أمر لأبي فادي وأصدقائه في جهاز الأمن الوقائي فكانوا وراء تعيين الكثير من ضباط هذا الجهاز والمحسوبين عليه وعلى قيادته في المؤسسات المدنية وفي البلديات بغض النظر عن اختصاصهم وامكانياتهم المهنية والادارية. أما المؤسسات الأمنية قبل الانقلاب فكان كثيراً من عملها يصب في خدمة قادتها وضباطها، ولم تكن لخدمة الشعب فكانت من بين مهماتهم جمع الملفات عن أشخاص مهمين لاستخدامها وقت الحاجة، فسيطروا على أعضاء التشريعي وعلى وزراء في الحكومة، واستثمروهم لخدمة أهدافهم، فأنت يا عضو تشريعي أو وزير ملفك كبير وأنت ملفك صغير، وانت لك قصة مع فلانة، وأختك لها قصة مع فلان، وانت فعلت كذا وتصرفت هكذا، وإذا لم يعجبه الحال فالمضايقات وبطرق مختلفة تنتظره على معبر بيت حانون أو رفح أو حتى في مؤسساتهم التي أصبح المراسل فيها، مع احترامنا لعمله، أقوى تأثيراً في العمل من مدرائه، وأصبح الآذن، مع تقديرنا لعمله أيضاً، لا يعمل القهوة والشاي إلا بوعود ترقية أو تنفيذ مصلحة، أو على أقل تقدير مقابل إطراء له ومقدمات من التبجيل. لم يقم أعضاء المجلس التشريعي بأي دور قيادي في غزة لاصلاح الوضع. كانوا يهتمون بمصالحهم على حساب مصلحة الشعب، وكانوا يلهثون وراء مصادقة قادة الأجهزة الأمنية وضباطها، وليس العكس. كل ما سبق كان سبباً لسكوت الكل على الأخطاء والجرائم التي كانت تمارس بحق هذا الشعب المسكين، فانعدم الحساب والعقاب، فمن يحاسب من، بل من يجرؤ على حساب من. أما شخصيات مجتمع غزة، وأخص هنا أبناء العائلات الكبيرة فكانوا أيضاً سبباً كبيراً في هذا الوضع، فمنهم من سكت مقابل وظيفة شعر بها وكأنه وصل الى السماء، وسكت البعض منهم مقابل سيارة حكومية أو تعيين أحد أبنائه، أو مقابل عدم فضح أمر ما، بل سكت البعض الآخر بالتهديد المباشر أوغير المباشر. أنظر الى سجون غزة قبل الانقلاب البغيض فلا تجد فيها تاجر مخدرات وكأن غزة خالية منها، ولاتجد فيها رجل شارك في رزيلة وكأن أبراج غزة نظيفة تماماً منها، ولا تجد جاسوساً وكأن اقتناص المئات من قادة غزة كان بانجاز اسرائيلي خارق للعادة، بل لاتجد قاتلاً في السجون وكأنك في عصر ما قبل قابيل وهابيل. لم يكن في غزة استقلال للقضاء لأن هناك قوى مسيطرة على الساحة الفلسطينية لا تريد ذلك، ولم يكن هناك قضاة لشعورهم بانعدام الأمن، بل وشعورهم بالمهانة في عملهم فالزاني وتاجر المخدرات والسارق يعرف انه سيعود الى بيته عاجلاً أم آجلاً، بكفالة وأحياناً بدونها، فلعن بعض القضاة اللحظة التي جعلتهم يتورطون في هذه المهنة ويعملون في هذا المناخ الذي أصبح فيه الكلام مباح، فمداولاتهم الداخلية في القضايا الخطيرة قبل النطق بالاحكام كانت تصل الى أطرافها المتورطين فيها فيعرفون دقائق الأمور التي حدثت أثناء المداولات، بل ويعرفون القاضي المتشدد في الحق وذاك الذي يضغط باتجاه التخفيف بل والبراءة . شعر القضاة بالضعف بفقدان الدعم السياسي والأمني لهم فلجئوا الى القضاء العرفي وشكلوا لجان مساندة من المخاتير. دول العالم تعرف مدى الفساد الذي كان قائماً في غزة والذي لازال ينخر في الضفة ومجتمعها ومؤسساتها. لم يستوعب أهلنا في الضفة درس غزة بعد، ولا يعرفون أن الفساد الاذي ينخر مجتمعهم سيكون رهيباً عند اكتشافه. الفرق هو أن فساد غزة ظهر على السطح بسرعة بحكم مساحتها الصغيرة على عكس الوضع في الضفة، وسهولة رصد كل شيء في غزة، فمؤسساتها وأفرادها وبيوتها مفتوحة على بعضها البعض، وبحكم فقر معظمم سكانها فالكل ينظر الى الكل، والكل ينافس الكل، بل وهناك البعض الذي يحسد البعض، بل والبعض الذي يبغض البعض لدرجة ان هذا البعض على استعداد لكتابة تقارير كيدية ضد زملائهم أملاً في فرملة مؤهلين، أوالترقية على حسابهم وحساب انجازات مؤسساتهم، بل نرى هذا البعض اليوم يساهم في قطع راتب موظف مسكين أو مناضل شريف أملاً في إزاحته عن موقعه، رغم أنهم يعرفون أن قطع الأرزاق من قطع الأعناق. هذا ناهيك عن عمل هيئة الرقابة العامة في مرحلة ماقبل الانقلاب حيث أراد موظفيها في غزة التقرب الى أخينا أبو مريد رئيسها فبذلوا كافة الجهود لفحص كل حبة تراب تحت كل حجر في مؤسسات غزة، وظهرت الأمور وكأن الفساد في غزة فقط في حين كانت الأمور سائبة في الضفة. أصبح الموظف النظيف في بعض مؤسسات غزة يتخوف العمل وتحمل المسؤوليات لأن هناك في المؤسسة من يترقب أي خطأ منه لتضخيمه، وإذا أفلت من ذلك يصطاده موظفي هيئة الرقابة العامة في حين أنهم كانوا يغضون النظر عن كبائر حدثت في مؤسسات معينة ومن أشخاص معينين بتعليمات من رئيسهم أو استجابة لحسابات معينة. نحن بالتأكيد ضد ما قامت به حماس من انقلاب بغيض ضد الشرعية، لكن يجب أن نعترف أن الشرعية في غزة كانت بغيضة أيضاً ومستثمرة لخدمة أشخاص وليس للمواطن أو لتطوير البلد. لم تفتح غزة طوال عهد السلطة شارعا رئيساً واحداً، ولم تبن متنزهاً واحداً للناس، لا نقول أفضل، بل على الأقل بمستوى متنزه بلدية غزة في شارع عمر المختار. لم تبن غزة مقراً ثقافياً واحداً بمستوى مركز رشاد الشوا الثقافي، بل لم تبن غزة سوقاً واحداً بدلاً من سوق فراس المعفن، أو سوقاً بمستوى سوق الشيخ رضوان الذي بنته وكالة الغوث. لم تحاسب غزة من تسبب في إعاقة تركيب أجهزة تنظيف الكلى في مستشفى الشفاء بدعم خارجي يقدر بالملايين فداهمها الصدأ وهي في مخازنها، مما جعل الأوربيون يصرون على أن يكون بناء وتجهيز المستشفى الأوربي تحت اشرافهم، وفعلوا بذلك خيراً بغزة فنشأ على أفضل وجه. لم تبن غزة مختبراً واحداً لفحص المواد المخدرة لمساعدة القضاء على الحد من نسبة الجرائم، بل لم تبن غزة داراً للقضاء بدلاً من مبنى شارع الوحدة الذي يزاحم فيه القاضي بائعي السجائر والترمس. لقد فعل الحاج رشاد الشوا رحمه الله خيراً لغزة عندما أنشأ مبناً ضخماً في شارع الثلاثيني ليكون اليوم مقراً للنيابة العامة. لم تبن غزة حماماً على معبر رفح أو بيت حانون ليس للمعافين، وإنما للمعاقين والكبار والمرضى. لم تبن غزة قاعة نظيفة ينتظر فيها أهل غزة بانتظار سفرهم على معبر بيت حانون أو رفح بدلاً من الغوص في رمال رفح وبيت حانون. لم تبن غزة مكاناً نظيفاً على شاطيء البحر يلجأ إليه عامة الناس الغير قادرين على دفع تكاليف دخول منتجع الشاليهات أو الواحة، فالقادة لهم شاليهاتهم الخاصة، وشخصيات غزة لهم أراضيهم الخاصة المطلة على البحر. أقول أن السلف الصالح من شخصيات غزة كانوا أخلص بكثير من أبنائهم الحاليين، وحققوا لغزة الكثير من التطور في عهدهم. دعونا نعترف أن حصار غزة اليوم ليس بسبب انقلاب حماس، فلا يهم العالم من يحكم غزة في البداية وفي النهاية، بل واهم وساذج أيضاً من يعتقد أن معركة العالم ضد غزة هي لارضاء فتح أو أبو مازن أو دحلان أوالمشهرواي أوفتوح أو ملوح أو غيرهم بل بسبب رفض حماس الموافقة على الاتفاقيات الموقعة والاعتراف باسرائيل، وهذا كما نعتقد هو الموقف العربي والاقليمي والدولي. تدرك حماس ذلك، لكنها تدرك أيضاً أن انتهاء الحصار أصبح قاب قوس أو أدنى، وتدرك حماس أيضاً استحالة التوافق والصلح مع فتح في عهد أبي مازن فهو لا يريد لذلك أن يتم في عهده، لأنه ليس مضطراً الى دخول مفاوضات سياسية مع حماس القوية جماهيرياً وعلى الأرض، أي أنه ببساطة لا يريد مفاوضات ندية وبطريقة لم يعتاد عليها في حياته. أتمنى أن يدرك ويعترف قادة الشرعية البغيضة في غزة وشخصياتها وأعضاء التشريعي فيها، ووزرائها السابقون بمدى تقصيرهم في عملهم عندما كانت كل الامكانيات والموازنات متوفرة لديهم منذ بداية عمل السلطة، وعندما كان القرار يصدر من غزة، وعندما كان مقر المنتدى على بعد خطوات منهم ووزارة الأخ النشاشيبي الى الغرب منها قليلاً. يجب أن يعترف قادة غزة المدنيون والعسكريون وأعضاء التشريعي والوزراء السابقون والشخصيات العامة بمدى الضرر الذي ألحقوه بغزة وبأهلها نتيجة تقاعصهم عن خدمة بلدهم طوال اثني عشر عاماً، بل عليهم أن يطلبوا الصفح من أهل غزة على ما اقترفوه بحقهم، ونعتقد أن عدداً كبيراً من قادة غزة الأمنيين الذين غادروا الى مصر ورام الله بعد الانقلاب يفضل البقاء في الخارج، لأنهم يعرفون أن قواعد العمل في المرحلة القادمة بل وطبيعة التحالفات ستختلف حتماً عن الماضي، ويعرفون أيضاً ان ضوابط لم يتعودوا عليها ستكون بانتظارهم في الوطن، بل يقرأون من الآن نظرة الناس إاليهم عندما يعودون، ويعرفون أيضاً انهم، لو عادوا، سيفتحون على انفسهم قصصاً مختلفة مع الناس هم في غنى عن إثارتها. أما معظمهم الذين لا يملكون التمويل الكافي للبقاء في الخارج فهم جاهزون من اليوم للعودة الى غزة حتى بتعهد عدم القيام بأي نشاطات أمنية أو سياسية بشرط موافقة حماس على عدم ملاحقتهم سياسياً أو قانونياً أومسائلتهم عن ماضيهم أو عن مصدر الأموال والأراضي الحكومية التي حصلوا عليها، لا ليبنوا عليها، بل ليبيعوها، والشقق التي دفعت وزراة المالية أثمانها لا ليسكنوها، بل ليحجزوها. في النهاية نقول اننا نرفض الانقلاب البغيض الذي نفذته حماس في غزة ونشجبه، لكننا في نفس الوقت نرفض رفضاً باتاً العودة الى شرعية بغيضة توقد الوطن بذات الطريقة اللامسؤولة التي كانت سائدة في غزة قبل الانقلاب ولازالت للأسف سائدة في الضفة، فما حدث كان درساً يجب على الفلسطينيين جميعاً استخلاص العبر منه، ونقول في النهاية رب ضارة نافعة، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم
مصنف في: خرابيش | |