بين صناعة التاريخ وصناعة الانجاز !!
مارس 30th, 2008 بواسطة: Eng. Annoos |
أن تدخل بوابة التاريخ فهذا امر لا يشق كثيرا ! لكن السؤال :من اي بوابة ستدخل ؟ وأي بصمات ستترك ؟
من دخلوا بوابة التاريخ كثر : فمنهم الطغاة والعصاة والمجرمون والاصطلاحيون والعلماء و الثوار وأباطرة الحرب والأغنياء والممثلون والمهرجون ..أحزاب ,جماعات ,فرق ,طوائف ,دول ومماليك …وقائمة طويلة لا تنتهي !!
قرأنا عنهم وعن سيرتهم واعمالهم . تارة ضحكنا و تارة بكينا وتارة عضضنا اصابع الندم والحسرة , وتارة تحسرنا على أيام ضاعت سدى !!
ليس كل من دخل التاريخ صنعه ,وليس كل من رُسم اسمه في الكتب او الصحف والاعلام بنى حضارة او ترك اثرا وذكرى طيبة .
أقول هذا ونحن في عصر الفضائيات والاعلام المفتوح الذي ينقل لنا ولادمغتنا المتعبة الكثير من الصور والشخصيات والأحداث التي ترسم أحيانا تاريخا حقيقيا وأحيانا تاريخا مزيفا .
هناك الكثير من التضليل وهناك الكثير من الدخن والتضخيم والتهويل وتجزئة الحقيقة ولي عنقها حتى تكاد تنكسر …هناك من دُجنوا وهناك من سُوقوا لنا و زُوروا ولُمعوا ولُمعت وجوههم من ‘فلاشات ‘الكاميرات ..هناك من كذبوا على شعوبهم وحرَفوا وانحرفوا ,هناك من ساقوا وانساقوا ومالوا واستمالوا ,هناك من بهرتهم الهتافات والحشود..هناك من أعمتهم السرادقات والفنادق خمسة نجوم وفتح القصور ومد البسط الحمراء ..هناك من سكروا و ثملوا من الشعارات حتى تجشأ وها …هناك من ظنوا ان القوة هي مفتاح التاريخ ..هناك من ظنوا ان صناعة التاريخ تأتي من خلال ‘ضربة معلم’ او ‘خبطة حظ ‘ او حتى ‘بالبركة’ وبالدعاء على الأعداء !!
ليست صناعة التاريخ صدفة، ولا هى `مهنة` يمكن لمن شاء أن يتعلمها، لكنها إبداع نفوس خلقها الله كبيرة وقادرة على تجاوز التفاصيل، قادرة على القفز فوق عقبات الجغرافيا المحدودة بالزمان والمكان، وصولاً إلى آفاق التاريخ المفتوحة.
صناعة التاريخ مهمة الأنبياء والشهداء والصديقين والزعماء الأقوياء والفلاسفة والمفكرين وأصحاب الإرادات والعزائم، أما العمل فى حدود الجغرافيا فهو صنعة` الطغاة و`ورطة` العبيد. صناعة التاريخ فن لا يطاوع إلا من تجرد من مخاوفه وأهوائه وحساباته الضيقة وتفكيره المحدود.
بإمكانك أن تثير الزوابع وتملأ الدنيا ضجيجا وصخبا وان تشغل الناس بك..لكنك بهذا لا تصنع تاريخا حقيقيا!!
يطلق منظرو التأريخ وفلاسفته هذا المفهوم على الرموز الانسانية، الشخصيات، اولئك الذين ساهموا عبر أفعالهم التأريخية الانسانية الخلاقة - فتوحات، اكتشافات اختراعات، فكر، بناء الخ.. في الارتقاء بالانسانية قليلاً او كثيراً في سلم الرقي والعمران، وجلب المصالح والازدهار والحرية الإنسانية والانعتاق من عصور التخلف والظلم والاستبداد، اولئك العظام رجالاً او نساءً افراداً او جماعات شعوباً او أمماً أولئك الذين توقف التأريخ عندهم لا ليواصل خطواته الرتيبة البائسة التي كان عليها فيما قبلهم ولكن لينحرف بزاوية ما تستوجبها مصالح الإنسانية العامة.
يقول سدني هوك في كتابه السالف الذكر (اما الرجل الصانع للاحداث فهو رجل أحداث أفعاله هي نتائج طاقات وملكات، ذكاء حاد وإرادة قوية وشخصية بارزة اكثر مما هي نتائج حوادث عارضة ناجمة عن مركزه).
ويؤكد (تويبني) في صناعة الحضارات الانسانية لتأريخها على عاملي، التحدي والاستجابة، فكلما كبرت التحديات للحضارات كبرت استجابات الحضارات لتلك التحديات، وبذلك يُصنع التأريخ .
هناك من كانوا عالة على التاريخ وصبغوه بصبغة بائسة حزينة !!.
الحشاشون سرقوا ‘الكاميرات’ في عصورهم ,والخوارج حفلت بهم الكتب والمعتزلة شغلوا الناس بفلسفاتهم وافكارهم ,والمغول دخلوا التاريخ من باب وحشي دموي ,و’خلفاء وسلاطين سطرت أسماؤهم في سجلات مذهبة .. لكنهم مضوا دون انجاز .
‘يكفي تذكر هتلر للتأكد من أن المهزوم يشارك أيضاً في صناعة التاريخ، هل يمكن تجاهل أن الفوهرر أعاد رسم خريطة العالم بعدما افتعل الحرب العالمية الثانية. صحيح أنه خسر هذه الحرب لكن العالم ظل يعيش استناداً الى الأسس التي خلّفتها طوال ما يزيد على خمسة وأربعين عاماً، أي الى أن انتهت الحرب الباردة وانهار الاتحاد السوفياتي بكل ما يمثله من جبروت’…
** فرق بين الثرى والثريا
هناك من دخلوا التاريخ و خلفوا وراءهم مآسي وكوارث …هناك من صنعوا أزمات وحروبا وكراهية .لقد كتب التاريخ عن ستالين وهتلر وموسوليني ورومل كما كتب عن عمر المختار والخطابي والعظمة وحسن البنا .
لكن هناك فرق كما الفرق بين الثرى والثريا !! فرق بين ان تدخل التاريخ وبين ان تصنع الانجاز .صناعة الانجاز معناها أن تبني وتعمر وتقدم للشعوب والامم نموذجا طيبا في شتى مناحي الحياة .. معناها ان تترجم كل شعاراتك وبرامجك الى حقائق ونتائج ملموسة …لذا فان الله تعالى عاب كثيرا على الذين يقولون ولا يفعلون ‘كبر مقتا’, وقيل في الأثر ‘من عد قوله من عمله فقد أضاع عمره ‘. أي لا تضيعوا أعماركم في الهتافات والمؤتمرات والخطب …هي تلزم بقدر ما تخدم العمل والرؤية , لكن ما دون ذلك فهو لغو وسهو ولهو !!
وشعار الإسلام ‘إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه ‘..نعم, فليتقنه في السياسة والامن والاقتصاد وكل مناحي الحياة ..أي ان يأخذ بكل الأسباب التي تؤهله للنجاح وتوصله الى درجة ‘التمكين’ , اي ان يتمكن من تطبيق برنامجه الإصلاحي مهما كانت العقبات والتحديات ولا يتذرع بالعقبات والتحديات والمؤامرات لعدم تحقيق اهدافه ,لان وجود التحدي سنة كونية لا تبديل لها ولا تحويل عنها لتمييز الخبيث من الطيب والقوي من الضعيف والقادر على حمل الأمانة ممن ينوء بها .هاكم حديث رسول الله (ص) { من ولي من أمر المسلمين شيئا ثم لم يجهد لهم إلا لم يدخل معهم الجنة} , يجهد : أي يبذل كل جهد ممكن ولا يتقاعس عن خير لهم بل أن يختار لهم ما هو أفضل لدينهم ودنياهم…نعم يوصل الليل بالنهار يفكر ويجتهد ويقلب الرأي ويميز بين المصالح ويقارن بين المتشابهات ويقدر الأفضل والاخير ,وتذكروا ان: ‘من عبد الله على جهل فكأنما عصاه ‘..فكم هم الذين يعملون بلا تخطيط ولا تقدير ولا حسابات !!
**الاعلام حين يصنع تاريخا مزيفا
إن هنالك الكثير ممن الذين دخلوا التاريخ من بوابة الإعلام!!ربما لانها بوابة سهلة ومفتوحة ولا تكلف كثيرا من الجهد ولا تستلزم ماضيا مليئا بالانجازات بقدر ما يلزم ان يكون لسانك ذربا ونبرتك عالية !! .الإعلام مهمته اليوم البحث عن الإثارة والتفاصيل والأحداث العابرة ..لذا فقد استضاف على شاشته الكثير الذين حكوا أو هرجوا أو سوقوا لأفكار ورؤى ‘بلعتها ‘العوام حتى أصبحوا في عيون المشاهدين ‘أبطالا’ يستحقون أن يكونوا قيادات ‘تاريخية !!. إن الإعلام قدم ‘ذوي الصوت العالي’ على المفكرين وذوي الرأي ..ذلك أنهم سلبوا عواطف الناس بالتهييج والصراخ والتوعد دون أن يقدموا حلولا عملية !!
أن الإسلام أمرنا بخفض الصوت ‘لا ترفعوا أصواتكم ‘ لكن أعلمنا في المقابل ‘والعمل الصالح يرفعه ‘.فالعمل الصالح الصادق هو الذي يرفع في السماء ويؤتي اكله في الارض
لقد مارس الإعلام خدعة كبيرة استغلها من خلال عشق الجماهير –العربية على وجه الخصوص- في فتح الأبواب أمام من لا يملك فكرا أو رؤية كي يتمطى أمام القنوات يسب على الحكام ويستنفر الجماهير ويدعو على الأعداء ويهتف ضد المؤامرات الصهيونية والامبريالية وينتحب على حال الأمة ويستصرخ ‘أحرارها ‘ ويناشد صلاح الدين أن يقوم من قبره !!
حين تستعرض بعض الشخصيات الإعلامية وتفكر بعقلك ثم تضعها في ميزان العمل والانجاز :ماذا قدمت وماذا أنجزت وما لديها من رؤى حقيقية وخطط وبرامج تجد أن الأمر مجرد سراب اذا جاءه لم يجده شيئا !! تجد انها لا تملك سوى الحنجرة !! حينها تدرك بان الأمة العربية كم أضاعت من عمرها وهي تهتف لأبطال غير حقيقيين..و هي تجري خلف شعارات ليس رصيد في بنك العمل والانجاز… وتدرك حجم المصيبة التي أصابت عقول الأمة حتى باتت تنام و تستيقظ على من حولوا الهزائم إلى انتصارات !!
** كثرة العمل ليست معيارا
الذين يظنون بان الانجاز يعني كثرة العمل دون نتائج واهمون مخطئون ..الانجاز يعني ان ترى ثمرة عملك وترجمة تضحياتك (وسيرة الأنبياء تثبت هذا) ,ومن يعتقد بالقاعدة ‘اعمل اللي عليك والباقي على الله ‘ أو قاعدة ‘ليس عليك إدراك النتائج ‘ موغل في الخطأ والسطحية إلى أقصى درجاته ,بل هو غافل لاه عن سنن الله المحكمة ,فالقرآن وعد من يعمل (وفق السنن والحسابات الصحيحة) ان يعطيه الله النتائج في الدنيا والآخرة {فلنحيينه حياة طيبة} ,وليست الآخرة فحسب ‘وعد الله الذين امنوا و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ‘.
قصة أصحاب الأخدود نموذج استثنائي لا يمكن اعتباره حالة واحدة ووحيدة ,لان هناك الكثير من الحالات التي ذكرها القران فازت وانتصرت و حققت أهدافها .
إن هناك الكثير من الجماعات والأحزاب والحركات والفرق التي أمضت سنوات طويلة من عمرها تكد وتعمل وتضحي لكنها لم تصل إلى مرحلة تحقيق أهدافها أو على الأقل الاقتراب منها .هذا يضع علامة استفهام حول صحة مسارها (وليس صدق نواياها وإخلاصها) وحول ما اذا كانت تستحضر سنن الله في الكون..علامة استفهام حول أهدافها وطريقة عملها وأدواتها وقدرتها على تجاوز المشكلات والعقبات .
صحيح أن المهمة قد تستغرق عشرة او عشرين او خمسين سنة لكن يجب ان تكون متأكدا من انك تسير في الاتجاه الصحيح الذي يضمن لك تحقيق أهدافك . إذا طالت المدة عن ‘المعقول’ في تحقيق الهدف فاعلم ان هناك خللا ينبغي مراجعته ومراجعة المسار برمته .
كثرة العمل وعدد السنين لا تكفي للحكم على صحة مسارك !!.أنت قد تجد من يدرس طول العام لكنه قد يرسب او يحصل على درجة متدنية .هناك خلل في طريقة قراءته وفهمه و استيعابه بالرغم من الساعات الطويلة التي يقضيها في مدارسته ,لذا خلص الشهيد حسن البنا إلى مسألة مهمة جدا حين أدرك بأن ‘الفهم’ يسبق العمل كما يسبق الإخلاص ,كما هي في آية ‘فاعلم انه لا اله الله واستغفر لذنبك’ , فالعلم يضمن استغفارا صادقا ومقبولا.
وكما يقال فان ‘الأمور بمآلاتها وبخواتيمها’,تستطيع أن تحكم على عملك ليس من الكثرة والكم بل من النتيجة والأهداف التي حققتها .ان غزوة احد كانت تضم خيرة أهل الأرض من نبي وصحابة لكن مع ذلك منوا بهزيمة قاسية , فلما حاروا في السبب ذكرهم الله ‘قل هو من عند أنفسكم’. في غزوة ‘الخندق اخذوا بكل الأسباب والاحتياطات فرد الله عنهم كيد عدوهم . في ‘حنين’ غرتهم حشودهم وكثرتهم فجاء الرد سريعا ‘ضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ‘.
الله تعالى لا يحابي أحدا ,لا نبيا ولا صحابيا ولا غيرهم !! فمن سار على السنن فاز , ومن حاد عنها أضله الله او تركه على عماه حتى يستيقظ من غفلته مهما كان شأنه .انظر الفرق بين نموذجين في القرآن : هذا نوح اخذ بكل الأسباب (كما في سورة نوح) فلما طلب النصر منحه الله اياه ففجر له الأرض وفتح له أبواب السماء بماء منهمر ثم حمله على السفينة .أما يونس عليه السلام فضاق ذرعا بقومه فتركهم فكان أن ادخله الله تعالى بطن الحوت حيث الظلمة فوقها ظلمة فوقها ظلمة حتى استجار واعترف ‘أني كنت من الظالمين’ .
من الضروري ان تكون حذرا إلى أقصى درجة ..أن تكون على علم وفهم وسعة قراءة للتاريخ ,أما الذين يبنون حياتهم على أماني فانهم يبنون قصورا من رمال سرعان ما تنهار .
بقلم / د.غازي حمد